عبد العال سالم مكرم
93
من الدراسات القرآنية
دخل رجل في زي الكتاب له هيئة ، فأجلسه إلى جانبي وقال له : أتعرف هذا ؟ قال : هذا أبو عبيدة علامة أهل البصرة أقدمناه لنستفيد من علمه ، فدعا له الرجل ، وقرظه لعقله هذا ، وقال لي : إني كنت إليك مشتاقا ، وقد سألت عن مسألة ، أفتأذن لي أن أعرفك إياها فقلت : هات . قال : قال اللّه عز وجل : طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [ الصافات : 65 ] وإنما يقع الوعد والإيعاد بما عرف مثله ، وهذا لم يعرف ، فقلت : إنما كلم اللّه العرب على قدر كلامهم . أما سمعت قول امرئ القيس : أيقتلني والمشرف مضاجعى * ومسنونة زرق كأنياب أغوال وهم لم يرو الغول قط ، ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به ، فاستحسن الفضل ذلك ، واستحسنه السائل ، وعزمت من ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن في مثل هذا وأشباهه ، وما يحتاج إليه من علمه ، فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته « المجاز » . وسألت عن الرجل السائل فقيل لي : « هو من كتاب الوزير وجلسائه وهو إبراهيم بن إسماعيل الكاتب » . وبعد هذا الكتاب ظهرت كتب أخرى في الغريب أهمها كتاب : تفسير غريب القرآن لابن قتيبة : وقد بين ابن قتيبة في مقدمة كتابه أن كتابه : « مستنبط من كتب المفسرين وكتب أصحاب اللغة العالمين ، لم نخرج فيه عن مذاهبهم ، ولا تكلفنا في شئ منه بآرائنا غير معانيهم بعد اختيارنا في الحرف أولى الأقاويل في اللغة » . ويعيب ابن قتيبة على قوم التمسوا منكر التأويل ، ومنحول التفسير ، فقد نحل قوم التفاسير المنحولة ، والروايات المنكورة ، وكان الأحرى بهم أن يعتمدوا على كلام العرب ليكون منارا لهم يهديهم ويرشدهم ، لأن القرآن كتاب كريم نزل بلسان عربى مبين . يقول ابن قتيبة : « ونبذنا منكر التأويل ، ومنحول التفسير ، فقد نحل قوم ابن عباس أنه قال في قول اللّه عز وجل : إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [ التكوير : 1 ] أنها غورت من قول الناس بالفارسية : كورد بكرد .